ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

222

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

عنكما من الله شيئا ، فمن عرف هذه الأمور علم أنه لا ينفع إلا التقوى . وأما العجب بكثرة الأولاد والأموال والخدم والغلمان والعشيرة والأقارب والأنصار كما قال الكافرون نحن أكثر أموالا وأولادا علاجه هو أن يتفكر في ضعفهم وضعفه وأن كلهم عبيد عجزة لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا حياة ولا موتا ثم كيف يعجب بهم وإنهم سيفترقون عنه إذا مات فيدفن في قبره ذليلا مهينا وحده لا يرافقه ولد ولا أهل ولا حميم ولا عشيرة فيسلمونه إلى البلى وإلى الحيات والعقارب والديدان ولا يغنون عنه شيئا وهو أحوج ما يكون إليهم وكذلك يهربون منه يوم القيامة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه فأي خير فيمن يفارقك في أشد أحوالك ويهرب منك وكيف تعجب به ولا ينفعك في القبر والقيامة وعلى الصراط إلا عملك وفضل الله تعالى فكيف تتكل على من لا ينفعك وتنسى نعم من يملك ضرك ونفعك وموتك وحياتك أتعجب بالمال كما قال تعالى إخبارا عن صاحب الجنتين إذ قال أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ( 1 ) . ورأى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رجلا غنيا جلس بجنبه فقير فانقبض منه وجمع ثيابه فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم أخشيت أن يعدو إليك فقره وذلك المعجب بالغنى . وعلاجه أن يتفكر في آفات المال وحقوقه وعظم غوائله وإلى فضيلة الفقراء وسبقهم إلى الجنة في القيامة وإلى أن المال غاد ورائح ولا بقاء له مع كثرة الآفات والتطرق إليه . وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بينما رجل يتبختر في حله له قد أعجبته نفسه إذ أمر الله الأرض فأخذته فهو يتجلجل ( 2 ) فيها إلى يوم القيامة أشار به إلى عقوبة إعجابه بالمال ونفسه . وقال أبو ذر رحمه الله كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فدخل المسجد فقال لي يا أبا ذر ارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا رجل عليه ثياب جياد ثم قال لي ارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا رجل عليه خلقان ( 3 ) فقال : يا أبا ذر هذا عند الله خير من ملأ قراب الأرض

--> ( 1 ) سورة الكهف آية 32 . ( 2 ) تجلجل في الأرض دخل فيها وفي بعض النسخ [ يتخلخل ] بالخاء وهو بمعنى يتحرك . ( 3 ) ثوب خلق أي البالي يقال ثوب خلق وجبة خلق يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع أخلاق وخلقان كعثمان .